سعيد حوي
282
الأساس في التفسير
وحي أنزله ، وأمرنا أن نعلن أن ما نحن عليه هو صبغة الله ، وأنه لا أحسن من ذلك ، وأننا مخلصون له العبادة فمن اجتمع له ذلك فهو على الهداية الكاملة ، لا من زعم أن الهداية عنده بلا دليل . من عادات النصارى أنهم يغمسون أولادهم بماء يسمونه : المعمودية ، ويقولون عنه : إنه تطهير لهم فإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قال الآن صار نصرانيا حقا . يقول شارل جنيبير في كتابه ( المسيحية وتطورها ) عن التعميد هذا : « فإذا ما آمن الإنسان به ( أي بالمسيح ) أقيمت له مراسم التعميد ، وهي طقوس يهودية الأصل تبناها المسيحيون . . . . تعقد الدخول في الكنيسة المسيحية بفعل نمو الطقوس التي شملت شيئا فشيئا جميع المجالات الدينية . . . . وأصبح التعميد نفسه احتفالا معقدا يشتمل - على أقل تقدير - على مجموعة من التعليمات الخاصة ، وعلى الغسل بالماء الذي يكرر ثلاثا ، وعلى إجراء اللمس باليد الذي يصاحبه المسح بالزيت المقدس ( المسح بالزيت تقليد من تقاليد اليهود كما يقول المؤلف ) ثم ينتهي إلى طقوس القربان الأول . . . . وليس من العسير علينا أن نكشف عن روح الأسرار الهيلينية في هذا التعليم التدريجي . . . . » فأمر المسلمون بهذه الآيات أن يقولوا لهم : آمنا بالله وصبغنا الله بالإيمان صبغته ، فعلى هذا الاتجاه في الفهم تكون صِبْغَةَ اللَّهِ هنا حديثا عن أثر الإيمان الذي أمر به المسلمون في الآية قُولُوا آمَنَّا . . . . فالإيمان الصحيح الشامل يطهر النفوس ، فتصبح هذه الأنفس بالإيمان ذات لون رباني . قال البيضاوي ذاكرا بعض اتجاهات المفسرين في تفسير صِبْغَةَ اللَّهِ « . . . . أو طهر قلوبنا بالإيمان تطهيره وسماه : صبغة ، لأنه ظهر أثره عليهم ظهور الصبغ على المصبوغ ، وتداخل في قلوبهم تداخل الصبغ الثوب ، أو للمشاكلة فإن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون : هو تطهير لهم وبه تتحقق نصرانيتهم . . . . » وهناك اتجاه في تفسير الآية أن المراد بصبغة الله دينه ، فهذا الدين الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي صبغه هذه الصبغة ، فهو أثر مباشر عن الله صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً أي : لا دين أحسن من دينه ، أولا تطهير أحسن من تطهيره الذي تأخذ به الأنفس لونها الصحيح وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ قال البيضاوي : ( هذا ) تعريض لهم أي : لا نشرك به كشرككم . . ، فنحن قائمون بعبادته كما أمر ، معطون العبودية له كما يحب ، وهذا مفترق الطريق بين المسلم وغيره ، المسلم يعتبر أن مقامه الصحيح هو في العبودية لله ، وغير المسلم يعتبر نفسه حرا ، فلا عبودية ولا عبادة ، أو عبودية وعبادة في